في يوم الخميس 26 ربيع الأول 1429 هجري ذهبت وأصدقائي إلى الدبابات وحدث ما لم يكن في الحسبان .. فلم أرد أن يذهب هذا الحدث دون أن يأخذ نصيبه من التدوين والنشر .. فكتبت ما يلي :
ركبت دابة وكنت على طهارة .. وحرصت أن أدعو بما ورد من دعاء نزول المكان ودعاء ركوب الدابة .. ونسيت أن ألبس أكفاني لأني أعلم أني مقبل على مهلكة ! تفرست فيمن حولي لأعرف الوجوه فقد خشيت ألا يعرف أحدنا إلا ببنانه .. وذلك المكان قل من ينجو فيه ! ولا ينجو هناك إلا الحذر .. أما الذي يطلب الموت في مظانّه فذلك رجل يجود بنفسه ويقدم على المهالك غير خائف ولا هيّاب !
كنا نتنقل من (طُِعْسٍ) إلى آخر بحثاً عن المتعة وبغية الترويح عن نفوسنا التي ترسف في أغلال الجامعة وتأن تحت وطأة (الدكتور) .. ويصدق فينا قول الشاعر :
أكلما رمت (طُِعْساً) فانثنى هرباً *** تصرّفت بك في آثاره الهمم
لكن من لا يعرف الحياة فستضيق نفسه ذرعاً بتقلباتها .. فهي تذيقك حلوها تارةً وتطعمك مرّها تارات ! لا تبقى لك على حال .. كالأرض المجدبة إذا أتاها المطر “فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح” !
كان من بين أولئك الرهط الذين كنا نلهو معهم ثلاثة خلّفوا عن ركب الأصحاء .. خبّأت لهم الأقدار ما يطهرهم من ذنوبهم ويرقيهم درجات إن احتسبوا ذلك عند ربهم ..
أولئك النفر كانوا أشدنا على الجلاد وأصبرنا على الموت .. كانوا يركبون الأهوال والصعاب لفرط شجاعتهم !
افتقرت إليهم الشدائد فاستغنوا عنها بدمائهم ..
والصعاب تذلل نفسها لمن يعطيها من نفسه ودمه ووقته وماله ! فهي تأخذ بضعةً منك لتمنحك شرف الاجتياز ..
لولا المشقة ساد الناس كلهم *** الجود يُفقِر والإقدام قتّال
والأهوال تباع في سوق النّخاسة وتشتريها بدمك .. لتصبح الأهوال رقيقاً عندك تصرفها كيف تشاء ! فتستحق لقب (سيد الأهوال) .. ولا تزال تسبي هولاً بعد هول حتى تنتهي إليك رياسة الأهوال !
كنت خلف الثلاثة .. وما تخلّفت لجبنٍ فيّ .. وإنما لأختار الهول الذي أريد .. ولن أختار إلا أشد هولٍ وأضراه على نفوس الأبطال ..
فإني لا أرضى بالرويبضة من الأهوال والصعاب وإنما أختار رؤوسها لأجتازها صرعى ..
وثمّ سبب آخر لتأخري عنهم .. وهو أن يجتمع لدي أمران .. لقيا الأهوال (وكفى بها عظيمةً) ورؤية فعلها في النفوس ..
أما من تقدم فسيظفر بالأول دون الآخر .. فأحببت أن أجرب نفسي على لقيا الأهوال ابتداءً ورؤية فعلها في الأبطال انتهاءً ثم أختار لنفسي أيّ هولٍ أسترقّ (أجعله عبداً) ؟
ارتقى الثلاثة (الطعس) أو قل (نصف طعس) من جهة .. وهاوية من الجهة الأخرى .. فكأنه (طعس) لم يكتمل بناؤه ليبتلع الأبطال .. فلما ارتقوا (الطعس) ابتلع اثنين وتأخر ثالثهم لأشهد مَصْرعه .. فكأني أنظر إليه ارتفع قليلاً عن الأرض ثم اختفى في لمح البصر !
فعلمت أنه كمينٌ أعده (الطعس) .. ولكن هيهات أن يقع فيه مجرّبٌ بالحروب وبصير بالقتال !
فأبطأت بدابتي حتى أستوثق من الخبر .. فما أن ارتقيت (الطعس) حتى أشرفت على القوم مجندلين قد عفرهم الطعس وأرغم أنوفهم ..
فنزلت إليهم وقد حمدت الله أن سلمني فلم يصبني مكروه .. وأعنتهم ليحملوا نفوسهم على دوابهم ولبثت قليلاً حتى يرحلوا ..
فكانوا يمرون بي كما قال الشاعر :
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمةً *** ووجهك وضّاح وثغرك باسم