Feeds:
تدوينات
تعليقات

الكتاب من القطع الكبير .. يقع في 283 صفحة .. ومؤلفه الدكتور يوسف القرضاوي.  الكتاب عبارة عن دراسة أعدها للمشاركة بها في ندوة (مقاصد الشريعة) عام 2004 م.

الكتاب يبحث موضوع المقاصد في الشريعة الإسلامية. فيتناول تعريف المقاصد ومعانيها ويقارن بين المعنى القديم والمعنى الحديث. كما يذكر أشهر المدارس-في العالم الإسلامي اليوم-  التي انقسمت إلى ثلاث مدارس في تناول نصوص الشريعة الجزئية ومقاصدها الكلية.

في تلخيصي للكتاب اجتهدت في تحري الاختصار دون إخلال والإسهاب دون إملال.  فذكرت من الأفكار والتعليقات -الخاصة بالدكتور- والمسائل التي أرى أنها مهمة وغير متداولة في أوساط شباب الصحوة. ولم أشأ تتبع كل المسائل المتعلقة ببحث الدكتور وعرضها في هذا التلخيص بغية الاختصار وتقديم صورة شاملة للكتاب.  وتركت الفرصة للقارئ الكريم أن يستزيد من الكتاب وينهل من المعين نفسه.

وأسأل الله أن يكون عملي هذا خالصا لوجه الله تعالى ، وأن ينفع به طلاب العلم وشباب الصحوة.

تلخيص / معتصم الحارثي

3 رجـب 1430 هـ

المقدمة

ذكر الدكتور في مقدمة الكتاب عن اهتمامه بمقاصد الشريعة متى بدأ ؟ وإلام انتهى ؟ ،كما عرف مصطلح مقاصد الشريعة بأنها : الغايات التي تهدف إليها النصوص من الأوامر والنواهي والإباحات وتسعى الأحكام الجزئية إلى تحقيقها في حياة المكلفين ، أفرادا وأسر وجماعات.

وقد فرق الدكتور بين المقاصد والعلل .. فالمقاصد : هي الحكم التي تطلب من وراء تشريع الأحكام.  وليس المراد بالمقاصد : العلل التي ذكرها الأصولويون في مبحث القياس وعرفوها بـ : الوصف الظاهر المنضبط المناسب للحكم.  فالعلة سبب للحكم وليست مقصدا له.

وضرب المؤلف مثال لتوضيح الفرق بينهما : رخصت الشريعة للمسافر القصر والجمع في الصلاة ، والفطر في رمضان .. العلة هي السفر والمقصد مراعاة المشقة الغير معتادة التي يتعرض لها المسافر.

وربط العلماء الحكم بالعلة ولم يربطوها بالمقصد لصعوبة ضبطه .. فلو أن مسافرا أراد أن يصلي فليس له القصر إلا إذا شعر بالشقة ، وهنا سينقسم الناس قسمين : أحدهم يتورع رغم المشقة الشديدة والآخر سيقصر بأدنى شيء من المشقة.

كيف نصل للمقاصد ؟

ابتكر أبو حامد الغزالي نظرية المقاصد التي تحدث عنها في كتابه (المستصفى) : الضروريات والحاجيات والتحسينات.

وتساؤل الدكتور هل يمكن أن نستخدم طريقة أخرى غير طريقة حجة الإسلام الغزالي ؟  وكان جوابه : لا أرى مانعا من هذا.   وأورد طريقتين لذلك :

الأولى : تتبع النصوص التي جاءت بتعليلات في القرآن والسنة لنعرف منها مقاصد الإسلام وأهدافه.

الثانية : استقراء الأحكام الجزئية وتتبعها والتأمل فيها وثم ضم بعضها إلى بعض كي نصل إلى مقصد كلي.

ومن الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن ، هل يمكن أن يأخذ تحديد المقاصد شكلا آخر غير ما انتهى إليه الغزالي والقرافي والشاطبي  وغيرهم ؟

من المحدثين والمعاصرين من يتحدث عن المقاصد أو رسالة الإسلام بدون التقيد بالكليات الخمس وما تفرع عنها كمحمد رشيد رضا فيذكر مقاصد الإسلام بطريقة غير طريقة الأصوليين .. فعدد 10 مقاصد لإصلاح البشرية :

من إصلاح أركان الدين الثلاثة ، والإصلاح الإجتماعي الإنساني السياسي ، وبيان أصول العلاقات الدولية في الإسلام ، والإرشاد إلى الإصلاح المالي والاقتصادي ، والدعوة إلى عبادة الله وتقواه ، وتقرير كرامة الإنسان،.. الخ

والدكتور يوسف ذكر خمسة أهداف أو مقاصد أساسية للإسلام في كتابه (مدخل لمعرفة الإسلام) :

والمقاصد : بناء الإنسان الصالح ، والأسرة الصالحة ، والمجتمع الصالح ، والأمة الصالحة ، وكذلك الدعوة إلى خير الإنسانية.

حصر المقاصد في الكليات الخمس :

هل هناك مقاصد أخرى غير تلك المقاصد التي ذكرها الأصوليون (حفظ النفس والعقل والدين و…) ؟  من العلماء –مثل القرافي- أدخل العرض ضمن الكليات لتكرار وروده في الأحاديث : “كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله” ، “إن دمائكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام … ” ، وثمة سبب آخر يرجح دخول العرض ضمن تلك المقاصد هو أن العرض تربت عليه عقوبة – حد القذف-.

وفي الحقيقة فهناك مقاصد لم تستوعبها المقاصد –الضروريات- الخمس : من ذلك ما يتعلق بالقيم الاجتماعية مثل الحرية والمساواة والإخاء والتكافل وحقوق الإنسان.   ومنها ما يتعلق بتكوين المجتمع والأمة والدولة.

ويرى الدكتور أن توجه الأصوليون قديما كان إلى مصلحة الفرد المكلف من ناحية دينه ونفسه وماله و… ، ولم يتوجهوا إلى المجتمع والأمة والدولة والعلاقات الإنسانية.

ومن ذلك ما يتعلق بالأخلاق لأن العلماء لم يجعلوها من الضروريات أو الحاجيات وإنما جعلوها من التحسينات ، فاكتفوا بكلمة الدين ليدخل تحتها الأخلاق الأساسية مثل الصدق و العفة والأمانة وغيرها.

ويركز الدكتور على أهمية الاحتفاظ بالتقسيم الذي ذكره لنا الأصوليون (مراتب الكليات الثلاث) : ضروريات وحاجيات وتحسينات.

ومن ملاحظاته على استدلال العلماء بعض الضروريات (حفظ العقل).  فاستدلوا على حفظ العقل بتحريم الخمر وفرض العقوبة على شاربها.  يقول وأرى أن حفظ العقل في الإسلام يتم بوسائل عديدة : فرض طلب العلم والرحلة إليه ، والتأمل في ملكوت الله ، وإنشاء العقلية العلمية التي تلتمس اليقين وغير ذلك.

الماضي كان مقدمة لموضوع المقاصد وتمهيد لموضوع الكتاب.  حيث يتناول الكتاب ثلاث مدارس تناولت الشريعة الإسلامية إما بالنظر إلى المقاصد الكلية أو التوجه إلى النصوص الجزئية.  ولب الكتاب يدور حول هذا الموضوع.

بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية .. ثلاث مدارس

يتحدث الدكتور في هذا الكتاب عن ثلاث مدارس تناولت الشريعة ودرستها إما بالمقاصد وإما بالنصوص أو بالاثنين معا. والمدارس هي : مدرسة الظاهرية الجدد ومدرسة المعطلة الجدد والمدرسة الوسطية.

وأولى هذه المدارس .. الظاهرية الجدد :

وهذه المدرسة هي امتداد لملدرسة الظاهرية القديمة التي أنكرت التعليل الأحكام أو ربطها بأي حكمة أو مقصد كما أنكرت القياس .. بل قالوا أن الله كان يمكن أن يأمرنا بما نهانا عنه وينهانا عما أمرنا به.  حتى إنه كان يمكن أن يأمرنا بالشرك وينهانا عن التوحيد.  هذه مبادئ المدرسة الأم للظاهرية الجدد.

فالظاهرية الجدد تركز اهتمامهم بالنصوص الجزئية وتشبثوا بها ، وفهموها فهما حرفيا بمعزل عن مقاصد الشرع من وراء تلك النصوص.  فورث الظاهرية الجدد الحرفية والجمود من المدرسة الأم غير أنهم لم يرثوا منهم سعة علمهم سيما فيما يتصل بالأحاديث والآثار.

وهؤلاء رغم تعبدهم وإخلاصهم إلا أنهم يسيؤون إلى الإسلام وإلى الدعوة ، ويشوهون صورة الإسلام المشرقة أمام مثقفي العصر ، وأمام العالم المتحضر ، كما يبدو موقفهم واضحا من قضايا المرأة والأسرة ، وقضايا الثقافة والتربية والاقتصاد والسياسة والإدارة ، وحقوق الإنسان والحوار مع الآخر والعلاقات الدولية والعلاقة بغير بالمسلمين.

وهذه المدرسة تتميز بخصائص وسمات :

حرفية الفهم والتفسير ، والميل إلى التشدد والتعسير ، الإنكار بشدة على المخالفين وتجريحهم ، وعدم مبالاتهم بإثارة الفتن الدينية والمذهبية.

وثاني مدرسة .. المعطلة الجدد :

وهم الذين يزعمون أنهم يهتمون بمقاصد الشريعة و(روح الدين) ، معطلين بذلك النصوص التي جاء بها القرآن الكريم والسنة المطهرة. مدعين بذلك أن الدين جوهر لا شكل ، وحقيقة لا صورة. فهم لا يعرفون صحيح الحديث من ضعيف ، ويتأولون القرآن ، ويتمسكون بالمتشابهات ، ويعرضوا عن المحكمات.  وهؤلاء هم أدعياء التجديد وفي الواقع هم دعاة التغريب والتبديد.

فمن الممكن أن يمنع الطلاق ، ويحرم تعدد الزوجات ، ويباح الخمر ، وتعطل الحدود والعقوبات باسم مراعاة مصالح الخلق.  وإذا سبرت غورهم وجدت حفنة من العلمانيين والليبراليين والماركسيين ، ممن لا يرجون لله وقارا ولا يقدرونه حق قدره ولا يعرفون للنبوة مكانتها.

وذكر الدكتور جماعة جديدة غربية من المعطلة هؤلاء ، ظهرت في الغرب ، وفي فرنسا خاصة ، تدعي المعرفة بالقرآن فتفسره بهواها دون الرجوع لتفسير نبوي ولا قول صحابي ولا رأي تابعي.  وتعيش هذه الجماعة في فرنسا وتعمل في جامعاتها.  ومن أبرز ممثليها الجزائري الأصل (محمد أركون).

مميزاتها :

جهلها بالشريعة ، وجرأتها على القول بغير علم ، وتبعيتها العمياء للغرب.   وترتكز هذه المدرسة على : إعلاء منطق العقل على منطق الوحي ، إدعائها أن عمر بن الخطاب إمامها في تعطيل النصوص – افتراءً عليه- ، وتعتمد على تلك المقولة (حيث توجد المصلحة فثم شرع الله).  وهذه المقولة السابقة نسبت للإمام ابن القيم وقد ألصقوها به وتقولوا عليه ، فهو كان يتكلم عن العدل ولم يذكر المصلحة.  فقد قال : “إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط ، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض ، فإذا ظهرت أمارات العدل فثم شرع الله ودينه”.  فأين ذكر المصلحة في هذه المقولة !؟

وثالث مدرسة .. الوسطية :

وهي المدرسة التي تفهم النصوص الجزئية على ضوء المقاصد الشرعية فلا تعزلها عنها بل تستصحبها معها. فهي ترد الفروع إلى أصول تلك المقاصد ، والجزئيات إلى كلياتها ، والمتغيرات إلى ثوابتها ، والمتشابهات إلى محكماتها ، معتصمة بالنصوص القطعية في ثبوتها ودلالتها ومتمسكة بإجماع الأمة.

ثم بدأ الشيخ بسرد أدلة على أن الشريعة لها حكم ومقاصد وأن الله عز وجل حكيم فلا يخلق عبثا ولا يشرع عبثا.  كما ذكر أن الشارع يبين علل وحكم ومصالح مترتبة على بعض الأحكام وخاصة في المعاملات بين الناس ، محاولة منه لتوضيح موقف العلماء من ربط الأحكام بالمقاصد. يقول : ولهذا أجمع العلماء – فيما عدا فئة قليلة- على تعليل أحكام الشرع وربطها بالحكم والمصالح.  ولهذا يقول المحققون : إن الشريعة إنما شرعت لمصالح العباد في العاجل والآجل معا. سواء كانت هذه المصالح ضرورية أم حاجية أم تحسينية ، وهي القواعد الثلاث التي قامت عليها الشريعة.

ومما ذكره الدكتور أن الأحكام القطعية لا تتعارض مع مصالح العباد القطعية.  ولا يتصور ذلك في أرض الواقع. لكن لو تعارض نص محتمل للتأويل مع مصلحة حقيقية معتبرة ، فإنه يجب تأويل النص ليتفق مع المصلحة المعتبرة شرعا.  مثال ذلك ما حدث في عهد في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث رأى التقاط الإبل الضالة وحفظها في بيت المال حتى لا تضيع على أصحابها ، مع العلم أنها لم تكن تلتقط في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

ومثال آخر : ما صنعه بعض فقهاء التابعين في حديث امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن التسعير عندما شكا إليه بعض أصحابه الغلاء ، فقال : “إن الله هو المسعر القابض الباسط” ، أنهم حملوا ذلك على حالة الغلاء الطبيعي الناتج عن العرض والطلب وليس الغلاء الناتج عن احتكار التجار وإغلاء الأسعار.

مميزات المدرسة الوسطية :

إيمانها بحكمة الشريعة وتضمنها لمصالح العباد ، ربط نصوص الشريعة وأحكامها ببعضها البعض ، النظرة المعتدلة لكل أمور الدين والدنيا ، وصل النصوص بالحياة وواقع العصر ، تبني خط التيسير ، الانفتاح على العالم والحوار والتسامح.

مرتكزاتها :

مما ترتكز عليه هذه المدرسة البحث عن مقصد النص قبل إصدار الحكم ومن الأمثلة المهمة التي أوردها هنا الدكتور ، مسألة التمايز بين المسلمين وغيرهم.  وهذه المسألة مهمة في عصرنا الحالي حيث إن معظم الناس يعتقد مخالفة المشركين (في الظاهر) أمر لابد منه وأنه من الواجبات.

وقد عرض شيخ الإسلام لهذه القضية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم) فقال : “إن المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم يشرع المخالفة لهم فلما كمل الدين وظهر وعلا شرع ذلك ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين والإطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة.
فأما في دار الإسلام والهجرة التي أعز الله فيها دينه وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية:ففيها شرعت المخالفة وإذا ظهرت الموافقة والمخالفة لهم باختلاف الزمان ظهر حقيقة الأحاديث من هذا.”

يقول الدكتور : ولهذا طالبنا الأقليات المسلمة في المجتمعات الأوروبية وغيرها أن يندمجوا في المجتمعات التي يحيون فيها ، ولا ينعزلوا عنها ، ولا يبالغوا في إظهار الفوارق بينهم وبين غيرهم ، بل يجتهدوا في إبراز نقاط الإتفاق ويعمقوها ما استطاعوا.

ومن مرتكزاتها أيضا : فهم النصوص في ضوء ملابساتها وأسبابها .. ومن الأمثلة التي ذكرها سفر المرأة مع محرم كما ورد في الحديث مرفوعا : “لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم”. فالعلة وراء هذا النهي : الخوف على المرأة من سفرها وحدها في زمن كان السفر فيه على الدواب وتجتاز فيه الصحاري.  لكن عصرنا هذا تغيرت فيه الأحوال فأصبحت وسائل المواصلات تقل العشرات من المسافرين فليس هناك خوف على المرأة إذا سافرت وحدها.  وقد حجت عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين في زمن عمر بن الخطاب بدون محرم معهن بل صحبهن عثمان بن عفان وابن عوف رضي الله عنهما.  وقال بعضهم : تسافر المرأة وحدها إذا كان الطريق آمنا.

ومن المسائل المهمة خطر تحويل المقاصد إلى وسائل أو العكس.  فمن العوام من يقول : المهم أن يطهر قلبك ويصحو ضميرك وتخلص لله في عملك ، وليس المهم أن تركه وتسجد ، أو تجوع وتعطش ، أو أن ترتحل إلى مكة وتطوف حول الكعبة.  ويستدلون على ذلك بأن من الناس من يؤدي هذه العبادات ولكنها لا تترك في نفسه أثرا من صلاح واستقامة. وهذا أمر باطل لأن صلاح النفس ثمرة للعبادة الصحيحة وليس علة لها.  والمقصود من العبادة هو أداء حق الله تعالى.

فاظهار العبودية لله عز وجل وامتثال أمره فيما تعبد به خلقه ، هو علة العبادات كلها. أما صلاح النفس ، وزكاة الضمير ، واستقامة الأخلاق ، فهي ثمرة لازمة للعبادة الحقة.

ومن المسائل التي عرض لها الدكتور رؤية الهلال لاثبات دخول الشهر. وقد أسهب الدكتور في بحث هذه المسألة ، وتناولها بالتفصيل في عدة صفحات. فآثرت أن ألا أضمنها التلخيص وفاءً بوعدي للقارئ الكريم بعدم الإسهاب الممل.  فلمن أراد النظر في المسألة فعليه مطالعتها في الكتاب.

الخاتمة

كان هذا التلخيص لكتاب يضم بين دفتيه تراث السلف بنظرة تجديدة مواكبة للعصر ، لم تجمد على القديم وتتخلف عن الجديد. نظرة تستوعب نصوص الشريعة الإسلامية بعين متفتحة واعية ومتزنة في نفس الوقت. وقد تميز الكتاب بسهولة الأسلوب ووضوح الفكرة. ولم أنو التلخيص إلا لما وجدت الكتاب ذو فائدة لمن يقرأه من شباب هذا العصر.

من أبرز الأمور التي أضافها لي الكتاب : ما أورده الدكتور من ناحية توسيع إطار مقاصد الشريعة الإسلامية حتى يتضمن أمور المجتمع والدولة والأمة. ومما أضافه كذلك الفتاوى التي تستند على خلفية شرعية قوية تتماشى مع متطلبات العصر وتواكب مجريات الحياة المدنية اليوم.

فأرجو أن يكون التلخيص شاملا وواضحا.   وأسأل الله القبول.

عندما يتأبى على قلمي .. وتمتنع علي قريحتي .. ولا ينطلق لساني .. أجد في تقل فكر الأدباء وعلم الفقهاء متنفس لي !

إنها لتمر علي أيام لا أستطيع فيها البيان .. ولا أجد عندي ما يستحق الكتابة عنه !

فخطرت لي خاطرة الكتابة عمن أقرأ له .. ووجدت لذلك عدة فوائد :

منها ألا أنقطع عن الكتابة ..

وأنقل الفائدة التي علمتها ..

وأعين نفسي على عدم نسيان ما تعلمته ..

وأعتاد النقل والتلخيص ..

سياسة تحقيق الأهداف

images1

عندما كنت صغيرا تعلمت أن أصوب كرة السلة نحو المربع الذي يعلو السلة كي أحرز هدفا ..
فعندما تضع لنفسك هدفا عاليا .. إما أن تصيبه كما أردت أو تحرز ما هو دونه وكلا الأمرين مرغوب ..

وهذه السياسة طبقها على حياتك ..

يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : “إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس”

كنت عائدا من جدة إلى الجامعة على متن طيارة الخطوط .. وكعادة الطاقم يقوم بتوزيع الجرائد واقتنصت جريدة الشرق الأوسط (فهي جريدتي المفضلة في الرحلات) ..

وبدأت أتصفح الأخبار فلفت نظري وأثارني وأحزنني ثلاثة أحداث ..!

الخبر الأول :

طهران أعلنت إنجازات نووية جديدة بافتتاح أول مصنع وقود نووي !
عندما قرأت الخبر انتابني شعور بالغبطة للخطوات التي تخطوها طهران كي تبلغ مصاف الدول المتطورة .. وشعور بالتوجس من سعيها الحثيث إلى الزعامة الدولية وتصدر قائمة الدول التي تمتلك النووي ..!
أحسست بالخطر القادم أو قل التهديد الجديد لمنطقة الشرق الأوسط.

الخبر الثاني :

مفاد الخبر يقودنا إلى توتر طائفي نحن في غنى عنه ..
لست أدري إلى أين يتجه هذا التوتر الطائفي والتصعيد المذهبي ؟!
ومن ذا الذي ما فتئ يذكي جذوة الصراع القديم بين المذهبين ؟! الصراع الذي خمد فترة من زمن وها هو يطفح من جديد على سطح الساحات العالمية ..

إن هذا التوتر الطائفي سيكون أمره جلل إن لم يحزم في أمره أولوا الرأي وقادة المجتمع ..

نذير خطر قادم يستنهض العلماء لإخماد النار التي أشعلتها الدول العظمى (المستفيدة من هذا الصراع) ..!

الخبر الثالث :

نائب رئيس شرطة لندن (بوب كويك) يستقيل من منصبه الحساس ..!
لأن عدسة أحد المصورين التقطت ورقة مهمة من أوراق كويك والتي كتب عليها سري للغاية .. وكانت عبارة عن مخطط عملية للقبض على إرهابيين ..

استوقفني الخبر قليلا وبدأت أستجمع المواقف التي تحدث في بلدي ..!
هل من الممكن أن يستقيل رجل من منصبه إذا أخطأ ؟! الجواب لا طبعا.
لكن في الدول الغربية الجواب نعم. وبغض النظر عن الدوافع التي دفعت هذا النائب هل هي حياء أم أمانة ؟!
لكن النتيجة النهائية أنه شعر بأنه ليس كفؤ وأنه عرض أحد الخطط السرية لمكافحة الارهاب (من أولويات الدول الغربية) للفشل .. فقدم استقالته ..!
الكفاءة والانتاجية قبل كل شيء ..

وعندنا الواسطة هي كل شيء ..

وكما يقول المثل العربي : “قل لي من تعرف .. أقول لك ما منصبك” ..!
ومن العجيب أن المسؤوليات عندنا طويلة الأجل ..! فتمتد المسؤلية ما بقي المسؤول حياً ..
إذ أن بقاءه في المنصب يعتبر (رسالته في الحياة ) ..

(تعقيد مع سهولة الاستخدام !)

إننا نعيش الآن في عصر الثورة .. ثورة الشبكة العنكبوتية
أصبح النت له الكلمة الأولى في كل شئ ، لم تعد الحياة بسيطة وبدائية كما كانت في السابق  ..
حياتنا الآن أكثر تعقيدا من قبل ورغم ذلك نستطيع التعايش معها ..!

(عصر السرعة)

لسرعة هذا الحرف(E)  بات يسبق كل شيئ :

(E-Business, E-Banking, E-Learning, E-etc)

لم يكتف بالتجارة ولا الثقافة ولا الصحافة .. بل تعدى ذلك كله ، إلى أن وصل لحياتنا الاجتماعية ..

(eRelationship)

النت الآن بدأ يشكل مسألة إجتماعية معقدة .. الروابط الاجتماعية الآن غير محسوسة (إن صحت التسمية) ..

ألق نظرة على أشهر المواقع (facebook , MySpace)  وغيرها من المواقع التي تبني علاقات جديدة .. تجد أن معظم العلاقات فيها بنيت داخلها !

كنت أتناقش مع أحد أصحابي حول هذه القضية ، وكان مثار القضية أنه سألني هل تعرف فلان – وفلان هذا هو أحد أصدقائي الاكترونيين -

احترت بم أجيبه ..!؟

إذا قلت نعم .. فسيسألني أين التقيت به ..؟

وإذا قلت لا .. فهو لا زال ضمن أصدقائي !!

فقلت له .. يجب علينا أن نتأقلم مع الوضع الحالي ..

فعقليتنا لازالت أجندتها أجندة العالم المحسوس : من أين تعرف هذا الشخص ؟ هل التقيته من قبل ؟ ما هو المكان الذي رأيته فيه ؟

فهل يعقل أن أدخل كل أصدقائي (المحسوسين) معي في النت .. ؟

(المحسوس واللا محسوس !)

انتقل العالم منذ سنوات من الاهتمام بالممتلكات المحسوسة (المصانع والآلات) إلى الاهتمام بالممتلكات الغير محسوسة (كالمعرفة) .. فتهتم الشركات اليوم ما يملك موظفوها من معلومات وخبرات (غير محسوس) .. ولا يهمها المعامل والمكائن .. ألا تجد أن معظم الشركات (غير محسوسة) .. لأن كل ممتلكاتها الكترونية !

أردت أن أذكر هذه النقطة المهمة لكي نغير من نمط عقليتنا التي ترى المحسوسات من حولها وحسب ..!

(نظام قيم)

والضرورة الملحة الآن هي .. بناء مجموعة قيم تحكم مثل هذا التطور الرهيب .. إذ إن من الضياع الدخول في مفازة النت دون بوصلة ترشدك للطريق القويم ..

(خاتمة)

الآن هذا هو عصر ال (E).. حتى في علاقاتك !

.

.

لكني لازلت محتار .. هل هو صديقي أم ماذا ..!؟

وما هي البوصلة (منظومة قيم) المناسبة لهذه المفازة ..؟

الألفية الثالثة ..

أحب أن أزف البشارة لزوار مدونتي الحبيبة لوصول عدد الزوار إلى ما يربو على 3000 …

وكما أهنئكم بأن المدونة منذ ابتدأت (2008  شهر فبراير) إلى الآن ساهمت بنشر 31 مقالاً متنوعة .. في أفكارها وأحداثها ..

الحمد لله الذي أنعم علي وجعلني داعية بقلمي ومصلحاً بكلمتي.
وأسأله أن يجعلها في ميزان حسناتي.

كيف تعرف الرجل ؟

قرأت مقولة للإمام الشافعي رحمه الله يقول فيها : “لا تنظر إلى الرجل وإن بكى في سجوده ولكن انظر إليه عند الحلال والحرام.” .. فوجدت نظرة ثاقبة للإمام في معرفة أخبار الناس .. ويشبه هذا الموقف موقف الفاروق رضي الله عنه حينما سأل عن رجل فقال له من رجل أنا أعرفه لأنني أسكن بجواره فقال له الفاروق هل صحبته في سفر ؟ قال : لا .. قال هل تعاملت معه بالدينار والدرهم ؟ قال : لا قال إذاً أنت لا تعرفه ..

المهم في هذين الموقفين أن المرء قد يكون بكاءا محافظا على صلاته ولكنه أمام إغراءات الدنيا يسقط عند أول عقبة وإن كانت صغيرة .. لأن النفس كما أخبرنا الله أنها جبلت على حب الدنيا من نساء وأموال (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث) ..

فلا تقل لنفسك أنك تقي إلا إذا اختبرتها عند الحلال والحرام .. هل تسرع في الطاعة وتبطئ عند المعصية ؟ أم لا ؟

فليست الأعمال الظاهرة في الغالب مقياس للتقوى وإنما الرصيد الخلقي الحسن والتورع عن الولوغ في الشهوات والإسراع في طاعة رب العالمين كل هذه مقاييس لمن أراد التقى ..

قال تعالى : “ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون”.

دعاة الوسيلة الواحدة !

كنت أسير في أحد الشوارع القريبة من جامعة الملك فهد فلفت نظري لوحة صغيرة (كالتي تكون في الخط السريع الذي يربط بين مكة وجدة ، ويكتب فيها بعض الأذكار) مكتوب عليها أنصحك بسماع هذا الشريط …

استوقفتني هذه الوسيلة (الثابتة) في نشر الدعوة ودلالة الخلق على ربهم .. وامتعظت من ذلك فمن الخطأ أن نزج بالناس نحو الفضيلة بوسيلة واحدة ! وأشعر أنه من الجدير بهذا الداعية أن يستغل تلك المساحة فيكتب فيها حديثا شريفا أو قولا مأثورا لأحد الصالحين ..

هل عجزت عقولنا أن تلد وسائل غير تلك التي أفادت في عصر من العصور أو أفادت شخصا ما ؟!

لو افترضنا – جدلا – أن دعاة الشريط هؤلاء قابلوا أصما لوقفت دعوتهم عند عتبات أذنه ولأسقط في أيديهم ! إن مثل المجتمع ومثل الدعاة هؤلاء .. كمثل مؤدب الفيل -لفرط حبه واهتمامه- يريد أن يدخل الفيل غرفته الصغيرة التي يرى فيها أنسه وسعادته .. فهل ترى ذلك معقولا ؟!

يسمع أحدنا محاضرة قيمة أو يقرأ كتابا نافعا فيجد فيه ظالته وتكون به هدايته ، ثم ينطلق مناديا الأمة لفعل ذلك .. فلماذا لا يكون عندنا سعة أفق وتعددية في الوسائل التي تتناسب مع الجمهور بمختلف مشاربهم ؟! فهل إذا سمعت شريطا أو قرأت كتابا هداك لخلق حسن تريد أن تدل كل من رأيت حتى يسير على خطاك ؟!

القيم والمبادئ أيها الإخوة ثابتة راسخة لكن أسلوب عرضها يتغير بتغير الزمان والمكان والظروف المحيطة بذلك ..

الداعية مثل الذي يخيط الثياب ، فليس عنده ثوب واحد يقدمه لكل من رأى ولكنه يجتهد في الخياطة ما استطاع حسب ما يراه ملائما .. فعنده أنواعا متعددة من الأقمشة بمقاسات مختلفة ..

خلاصة القول : أريد من الداعية اليوم أن يكون (خياطا) يخيط الأفكار حسب عقول الناس ونفوسهم حتى يرتدوها راضين بها ومدركين لها ..

(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)

رؤى نقدية حول التخطيط ..

في المقال السابق ذكرت أن التخطيط أخذ حجما أكبر مما ينبغي أن يكون عليه في الواقع ، وسُلط ضوء النجاح عليه بدل أن يسلط الضوء على نواحي أخرى يتحقق بها النجاح .. وانتقد البعض لفظة الفرصة ولعلي لم أوضح ما قصدته بالفرصة .. فأسلفت أن الفرصة (القدر) تلعب الدور الأكبر في صناعة النجاح .. وكنت أقصد بهذا أنا عزونا النجاح إلى التخطيط ولم نرد ذلك إلى قدر الله وتوفيقه وإلى واقع الحياة .. والمقال السابق كان محاولة للموازنة بين التخطيط وانتهاز الفرصة لتحقيق ما نصبو إليه .. فكنت أريد أن لا ترجح كفة على كفة ليتحقق العدل بينهما .. وحاولت أن أسلط الضوء على أمور غفلنا عنها وسط الزخم الذي أخذه التخطيط .. وإنني أتفق مع الإخوة الكرام في أنه ينبغي أن يكون للإنسان نظرة مستقبلية توجهه ..

————————-

(تحقيق الذات على حساب الجماهير)

المتأمل في حال دعاة التخطيط يرى أنهم وجدوا المتعة واللذة عندما حققوا ما خططوا له مما دفعهم إلى التبشير بهذا العلم الجديد .. فالانجازات التي صنعوها هي التي دفعتهم لتعليم الناس هذا العلم .. فتجدهم من حملة الشهادات التي جهدوا أنفسهم في الحصول عليها من مؤسسات عالمية ومعترف بها لكي يقوموا بدورهم التوعوي في مجتمعاتهم .. وهذا الدافع ليس صحيحا بحد ذاته لكي يدفعهم نحو نشر هذا العلم .. فليس كل من حققه ذاته في فن من الفنون يدعو الناس إليه !

(التخطيط مهارة خاصة بأفراد)

ولو استقرأنا الناس الذين برعوا في التخطيط لحياتهم الخاصة لوجدناهم قلة لا تتجاوز عدد الأصابع من بين المئات من البشر ، فهي قدرة قد يستأثر بها أشخاص حسبما أعطاهم الله من ملكات ، فمن الخطأ أن نجعل الكل ماهر في التخطيط ، فقد يكون البعض ليس لديه استعداد نفسي ولا جبلي لهذا الأمر ..

(علم .. للمهتمين وحسب)

ومما يجب التنويه إليه أن التخطيط علم كباقي العلوم ، فليس من الصحيح أن كل علم جديد يؤسس نبشر به في أرجاء المعمورة ونعلق النجاح بتعلمه .. هل من الصحيح أن كل من أجاد فنا دعا الناس إليه وجعله من أهم العلوم ؟! .. أذكر أول سنة التحقت فيها بجامعة البترول عندما نظمت الجامعة عدد من المحاضرات في تخصصات عدة فحضرت أحدها ، ففي هذه المحاضرة أتى الأستاذ وتكلم عن فنه (تخصصه) وربط المستقبل بهذا التخصص وزعم أنه من أفضل التخصصات إلى غير ذلك من الدعاوى ، كما دعانا إلى أن نردد كلمة التخصص وننعت أنفسنا وننسبها إلى تخصصه .. فهذا نموذج لكل من وجد نفسه فيما يجيد من فنون !

التخطيط مثله مثل الفيزياء ، ومثل اللغة ,و مثل الهندسة .. يكفيك منه ما أحاط بعنقك ليقودك نحو مستقبلك المشرق .. فليس من الصحيح أن تلم بكل أمر في الشريعة كيما تكون مسلما ، يكفيك منها ما يقوم به إسلامك من فروض .. وكذلك التخطيط

(التنظير أم التدريب)

ومما ينتقد به المدربون أنهم جعلوا هذا العلم نظري رغم أنه علم تطبيقي مثله كمثل فنون الدفاع عن النفس ، إن لم تنخرط في إحدى مدارسه فلن تفلح على أرجح الظن .. فيجب عليهم أن يكونوا مدربين (وإن زعموا أنهم كذلك فإن قلة منهم مدربين حقا) بمعنى أن ينزلوا إلى الأفراد ويعاونوهم على بناء خططهم ورسم رسالتهم ، أما أن يكونوا ملقين لما درسوه من فنون ويصفوا نجاحاتهم وما وجدوه من متعة في تحقيق أهدافهم فهذا ليس صحيحا ! وهذا ما يحدث داخل قاعات التدريب في الغالب ..

(شاب .. يخطط ويدير وقته الثمين !!!)

شاب في المرحلة الثانوية أو المتوسطة لم يكتشف نفسه بعد ولم يعرف ما يملك من قوى ومهارات وملكات فذة ، ثم تأتي وتنصحه بالالتحاق بإحدى دورات التخطيط أو حتى دورات تنظيم الوقت فلا أدري ما هي الأعمال الضخمة عند هذا الشاب حتى يرتبها ؟! .. هل هي حل واجب مدرسي أم شراء خبز للبيت أم الذهاب إلى السوق مع والدته حفظها الله له ؟! .. إنك عندما تفعل هذا كأنك تتعاقد مع موظف كي يدير شركة وهمية لا يعرف كنهها ، وتريده أن يخطط لنجاحها ! .. إن من واجبك في هذه الحالة هو تقديم يد المساعدة والعون لتكتشفوا سويا كنه هذه الشركة ..

(في الختام)

فهذه كانت رؤى نقدية حول التخطيط كي يأخذ مكانته التي يستحقها بين العلوم الأخرى ، ومن الجدير بالذكر قبل الختام أن أقول : أن من واجب المدربين اليوم هو اختصار هذا العلم ليكون سهل الهضم لعقول عامة الناس ويكفيهم ما أحاط بالعنق .. والأمر الآخر هوإيجاد قدوات تدريبية في أوساط فئة الشباب خصوصا ليعينوهم على اكتشاف مناجم الذهب التي بداخلهم .. وبذلك يتحقق الهدف المنشود من وراء هذا العلم.

التخطيط حقيقة أم خيال !

كثيرا ما نسمع في هذا العصر عن ثورة الإدارة .. وعلم التخطيط من رؤية ورسالة وأهداف واضحة !

فأصبح الآن التخطيط جزء من أي منظومة ..

وانتشرت في السنوات الأخيرة مدارس التخطيط وتحقيق الأهداف وكان انتشارها جليا ومثيرا (وغريبا) في نفس الوقت !

لا بأس بتوجيه النظر نحو المستقبل ولكن أن يصبح المستقبل مدروسا ومخططا له كيما نصل إليه كما رسمنا ، فذلك غالبا يكون مستحيلا .. ولا يزال في نفسي شيئ من التخطيط ليس من حيث المبدأ ولكن من حيث الطريقة التي يطرح من خلالها المفهوم ، ومن حيث الضمان والجزم بنيل ما تصبو إليه .. وإنني أعتب على البارزين في هذا المجال من الناجحين والإداريين كيف ضخموا من شأن التخطيط وجعلوه عصب الحياة المدنية اليوم وسمة التميز وعلامة النجاح .. فمن لم يخطط ليس بناجح .. وأدخلو المجتمعات في متاهات من مصطلحات (رؤية وهدف ورسالة) وأن الهدف قسمان قصير الأمد وبعيد الأمد إلى غير ذلك من التعقيدات التي هي من طابع الحياة اليوم ! علاوة على ذلك اقترحوا تفصيلات للأهداف بأن تكون مؤقتة ومحددة ومقاسة .. فمن يريد التخطيط لحياته يحتاج إلى تخطيط تعليمي لتعليمه التخطيط !

ولسنا مبالغين إذا ما قلنا أن التخطيط أصبح عقيدة اليوم .. فمن اعتنقها فهو ناجح ومن كفر بها فهو الفاشل ! والإيمان يزيد وينقص بمقدار السنوات المخطط لها !

 أتساءل دوما هل المخترعون والمكتشفون السابقون خططوا لما أرادوا ؟!  أكاد أجزم أن معظم هذه الأمثلة التي تطرق خلال هذه الدورات هي أمثلة لم تخطط بالأمس لما حققته اليوم من إنجاز وثروة وإبداع .. وقد يصدق فيها قولنا “صدقك وهو كذوب” .. ولا أرى إلا أن الأقدار كانت تدفعهم لما كتب لهم من نجاح .. فمن العسير أن تخطط لعشر سنوات ثم تصل إليه .. ومن العسير أن تخطط لاختراع ! أو تخطط لبناء شركة تغزو منتجاتها العالم بأسره ..  ولست أقصد بنقدي هذا الوقوف وانتظار الأقدار لتسوقنا نحو المكتوب ، فنحن نعلم أن ديننا هو دين العمل والحث على الحركة ونبذ السكون .. ولكن المقصود بالنقد هو التركيز على التخطيط والمبالغة فيه !

فالفرصة هي سيدة الموقف ، ولها اليد الطولى في النجاح الذي يحالف المبدعين وليس التخطيط .. أذكر أني قرأت قصة محاضر في إحدى الجامعات استقال فأعدت له الجامعة حفل توديعي فألقى الأستاذ  كلمته وختمها بأنه قد وضع لنفسه 20 هدف يصبو إلى تحقيقها خلال العقد القادم .. وبعد فترة تغيرت الحكومة في تلك الدولة وبدأت الحكومة الجديدة تتشكل واتخذ الرئيس هذا الأستاذ المستقيل مستشارا له في إدارة الجامعات فانتهز  الدكتور الفرصة واشترط قبول المنصب الجديد بتحقيق أهدافه العشرين فنال ما أراد ..

المتأمل في هذه القصة يجد أنه قد حالفته الأقدار وسنحت له الفرصة .. وإلا لما نال العشرين هدفا كاملة في غالب الظن ..

فالأقدار  إما أن تكون معك أو تكون ضدك .. وكم هم الناس الذين لم يحالفهم الحظ فلم ينالوا ما أملوا ..

ومن آمن بالتخطيط ولم يجد عنه محيص فليعلم أنه من الضروري معرفة الظروف والواقع والمتطلبات وفوق ذلك معرفة ميول الفرد لما يخطط لنيله ، فقد يخطأ الطريق وهو يتوقع الوصول في الوقت المحدد ثم يفاجأ بالمصيبة ! فليس صوابا أن يخطط رجل لنيل درجة الدكتوراة وهو متعثر في شهادة البكالوريوس .. وليس صحيحا أن نصبح كلنا د.طارق السويدان فنسير على خطاه مهمشين لشخصياتنا ومحجمين طاقاتنا .. إنما الصحيح أن نعرف نفوسنا و نستجيب لنداءاتها ونرسلها على سجيتها ثم نستثمر الفرص ونستغلها ..

وسوف يجد الإنسان النجاحات العظيمة عندما يسبر أغوار نفسه ومكنوناتها وينقب عن ذاته .. ثم يرسم مستقبله حسب ما تمليه عليه نفسه وينتظر الفرصة المواتية .. وإنني من  الذين يؤمنون بدحرجة الحياة الدحرجة المنظمة والمتجهة ، وترك مساحة حرة للخطأ والتعديل والكر والفر .. أما حبس النفس داخل ورقة المستقبل المزعوم فليس من عقائدي !

Older Posts »