
تمنيت لنفسي قبل أيام أن يكون لي خلق فلان .. لأن فيه من الخصال ما يكملني .. ثم قلت لنفسي – بعد أن آلمها فقد ذلك الخلق – هذه من حكم الله تبارك وتعالى حتى يكمل بعضنا الآخر .. فلو كانت الخصال الحميدة في كل إنسان لاستغنى عن الآخرين ولما احتاج إليهم ولأصبحت الحياة مملة !
وقد قرأت ما يقارب هذا المفهوم عن الشيخ كامل البلتاجي رحمه الله – من علماء غزة وكان ضريرا – أنه قال لقد كنت أجوب أرجاء غزة برمالها وكثبانها أنا والشيخ أحمد ياسين قبل أن يسيطر الشلل على أطرافه كلها وكان يمشي على عكازين ويتكئ علي وأنا (أعينه بقوتي وهو يرشدني ببصره) وهكذا بدأت الدعوة وانتشرت بجهد شيخ كفيف طاعن في السن وآخر الضعف الجسدي يزداد فيه يوما بعد يوم حتى شل تماما في نهاية الأمر.
وهذا الموقف شاهد على مفهوم التكامل الجسدي .. ولعل البعض يقول إن هذا أمر مستساغ فكلنا نعلم ذلك .. ولم تأت بجديد.
وسأسوق هنا موقفا عن التكامل النفسي .. ذكر هذا الموقف الشيخ علي الطنطاوي فقال عن نفسه لقد كنت متوحدا (منفردا بنفسه ولا يخالط الناس) وكان أخي الشيخ الخطيب يخالط الناس فكان يأخذني ويحضر المحافل والمجالس العامة وأنا معه ..
وموقف آخر أبلغ من موقف الشيخ الطنطاوي هو موقف أبو بكر وعمر – الصاحبين كما يسميهما العقاد – موقف البيعة في سقيفة بني ساعدة حيث قال : أبو بكر لعمر ابسط يدك أبايعك فقال عمر : أنت أفضل مني فرد أبو بكر : أنت أقوى مني فقال حينئذ عمر : (لك قوتي على فضلك). يظهر لنا التكامل جليا هنا بين الصاحبين قوة الفاروق على فضل الصديق ..
موسى عليه السلام قال لربه : “اجعل لي وزيرا من أهلي .. هارون أخي .. اشدد به أزري .. وأشركه في أمري” وفي موضع آخر : “وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون”.
وفي ظلال هذه المواقف يتبين لنا أن أفضل النعم في هذه الحياة وجود الأخ الصادق الصديق المعين الذي تكمل به نقصك وتسد به خللك ويعينك على نوائب الدهر وعظائم الأمر.
ومن الجدير بالذكر إيراد بعض الأمور اللازمة لتوفر مثل هذا التكامل.
وأولى هذه الأمور هو الاعتراف ثم الافتقار ..
فالاعتراف هو أن تعلم أنك لن تبلغ مرتبة الكمال وتعلم أن لك صفات قوة كما فيك صفات ضعف فتفتقر إلى من يكملك ويسد خللك ..
وثانيها التواضع والإذعان لمن اخترته مكملا لك .. لئلا تختار رجلا ثم تلفظه في آخر المطاف كما يلفظ الجسم العضو المزروع ولا يتقبله ..
فالحاجة إلى الصديق الذي يعضدك ويكملك ..والتجانس معه هي من متع الدنيا والآخرة.