كثيرا ما نسمع في هذا العصر عن ثورة الإدارة .. وعلم التخطيط من رؤية ورسالة وأهداف واضحة !
فأصبح الآن التخطيط جزء من أي منظومة ..
وانتشرت في السنوات الأخيرة مدارس التخطيط وتحقيق الأهداف وكان انتشارها جليا ومثيرا (وغريبا) في نفس الوقت !
لا بأس بتوجيه النظر نحو المستقبل ولكن أن يصبح المستقبل مدروسا ومخططا له كيما نصل إليه كما رسمنا ، فذلك غالبا يكون مستحيلا .. ولا يزال في نفسي شيئ من التخطيط ليس من حيث المبدأ ولكن من حيث الطريقة التي يطرح من خلالها المفهوم ، ومن حيث الضمان والجزم بنيل ما تصبو إليه .. وإنني أعتب على البارزين في هذا المجال من الناجحين والإداريين كيف ضخموا من شأن التخطيط وجعلوه عصب الحياة المدنية اليوم وسمة التميز وعلامة النجاح .. فمن لم يخطط ليس بناجح .. وأدخلو المجتمعات في متاهات من مصطلحات (رؤية وهدف ورسالة) وأن الهدف قسمان قصير الأمد وبعيد الأمد إلى غير ذلك من التعقيدات التي هي من طابع الحياة اليوم ! علاوة على ذلك اقترحوا تفصيلات للأهداف بأن تكون مؤقتة ومحددة ومقاسة .. فمن يريد التخطيط لحياته يحتاج إلى تخطيط تعليمي لتعليمه التخطيط !
ولسنا مبالغين إذا ما قلنا أن التخطيط أصبح عقيدة اليوم .. فمن اعتنقها فهو ناجح ومن كفر بها فهو الفاشل ! والإيمان يزيد وينقص بمقدار السنوات المخطط لها !
أتساءل دوما هل المخترعون والمكتشفون السابقون خططوا لما أرادوا ؟! أكاد أجزم أن معظم هذه الأمثلة التي تطرق خلال هذه الدورات هي أمثلة لم تخطط بالأمس لما حققته اليوم من إنجاز وثروة وإبداع .. وقد يصدق فيها قولنا “صدقك وهو كذوب” .. ولا أرى إلا أن الأقدار كانت تدفعهم لما كتب لهم من نجاح .. فمن العسير أن تخطط لعشر سنوات ثم تصل إليه .. ومن العسير أن تخطط لاختراع ! أو تخطط لبناء شركة تغزو منتجاتها العالم بأسره .. ولست أقصد بنقدي هذا الوقوف وانتظار الأقدار لتسوقنا نحو المكتوب ، فنحن نعلم أن ديننا هو دين العمل والحث على الحركة ونبذ السكون .. ولكن المقصود بالنقد هو التركيز على التخطيط والمبالغة فيه !
فالفرصة هي سيدة الموقف ، ولها اليد الطولى في النجاح الذي يحالف المبدعين وليس التخطيط .. أذكر أني قرأت قصة محاضر في إحدى الجامعات استقال فأعدت له الجامعة حفل توديعي فألقى الأستاذ كلمته وختمها بأنه قد وضع لنفسه 20 هدف يصبو إلى تحقيقها خلال العقد القادم .. وبعد فترة تغيرت الحكومة في تلك الدولة وبدأت الحكومة الجديدة تتشكل واتخذ الرئيس هذا الأستاذ المستقيل مستشارا له في إدارة الجامعات فانتهز الدكتور الفرصة واشترط قبول المنصب الجديد بتحقيق أهدافه العشرين فنال ما أراد ..
المتأمل في هذه القصة يجد أنه قد حالفته الأقدار وسنحت له الفرصة .. وإلا لما نال العشرين هدفا كاملة في غالب الظن ..
فالأقدار إما أن تكون معك أو تكون ضدك .. وكم هم الناس الذين لم يحالفهم الحظ فلم ينالوا ما أملوا ..
ومن آمن بالتخطيط ولم يجد عنه محيص فليعلم أنه من الضروري معرفة الظروف والواقع والمتطلبات وفوق ذلك معرفة ميول الفرد لما يخطط لنيله ، فقد يخطأ الطريق وهو يتوقع الوصول في الوقت المحدد ثم يفاجأ بالمصيبة ! فليس صوابا أن يخطط رجل لنيل درجة الدكتوراة وهو متعثر في شهادة البكالوريوس .. وليس صحيحا أن نصبح كلنا د.طارق السويدان فنسير على خطاه مهمشين لشخصياتنا ومحجمين طاقاتنا .. إنما الصحيح أن نعرف نفوسنا و نستجيب لنداءاتها ونرسلها على سجيتها ثم نستثمر الفرص ونستغلها ..
وسوف يجد الإنسان النجاحات العظيمة عندما يسبر أغوار نفسه ومكنوناتها وينقب عن ذاته .. ثم يرسم مستقبله حسب ما تمليه عليه نفسه وينتظر الفرصة المواتية .. وإنني من الذين يؤمنون بدحرجة الحياة الدحرجة المنظمة والمتجهة ، وترك مساحة حرة للخطأ والتعديل والكر والفر .. أما حبس النفس داخل ورقة المستقبل المزعوم فليس من عقائدي !
أنا لا أوافق المقال على إطلاقه
فالفرصة لا تصنع النجاح الأصيل الذي يجد صاحبه اللذة فيه، مهما كان الأمر ، والإيمان بمبدأ الفرصة يناقض الأوامر الكونية بالعمل والتدبير في الأرض . بمعنى أن الفرصة نفسها لم تأت من السماء حالية باردة على طبق من ذهب للناجحين، بل سبقها مشوار طويل من البحث والانتظار. وهذا البحث والانتظار هو ما نسميه بالتخطيط.
وكذلك
التخطيط يتطور يوماً بعد يوم ، وليس بالضرورة أن يكون فناً إنسانياً استخدمه العباقرة من بداية الخليقة إلى يومنا هذا كما نراه بالشكل الحالي ، بل هنالك مرادفات أخرى لهذه العملية يمكن أن تنطبق على جميع الأزمنة. يعني عملية التخطيط في الأصل وراء كل نجاح أصيل
كان هنالك ما يسمى بالنوايا الاستراتيجية ، وهنالك مفهوم النية في الإسلام، وهو يشبه عملية التخطيط في المضمون وما يسمى بالرسالة والرؤية ، وكذلك هنالك اغتنام الوقت “اغتنم خمساً قبل خمس” … الخ وهذه تماماً إحدى أسس العملية. لكنها لم تكن معروفة باسم التخطيط.
أسألك مثلاً هل كان شعراء الجاهلية بحاجة لمعرفة الفاعل والمفعول ؟ ومن هم شعراء الجاهلية ! من أقوى القصائد اللغوية على الإطلاق. وبالرغم من ذلك فلا يمكن أن نسمي من يتعلم ويتخصص في اللغة العربية أنهم اخترعوا شيئاً جديداً ، أو ما إلى ذلك.
المهم ألا تعرقلنا المسميات ، تخطيط تدبير بلاننق عفاريت… مدام المضمون والجوهر واحد.
وشكراً..
“وإنني من الذين يؤمنون بدحرجة الحياة الدحرجة المنظمة والمتجهة ، وترك مساحة حرة للخطأ والتعديل والكر والفر ..”
اتفق معك تماما في كل ما كتبت..
وفي نظري ان الالتزام والاصرار على دحرجتها رغم الصعوبات هو الاهم..
وليس التخطيط لأين ستكون بعد فترة من الزمن..
وهذا ما اوصل كل صاحب تغيير الى ما وصل اليه..
ولك مني تحية..
كأنني أرى سبب مقالك أخي المعتصم هو أنك تخشى أن تتفاجأ بعد زمن طويل من التخطيط و الترتيب و كثير من السعرات الحرارية التي فتكها العقل !!
أن تتفاجأ بأن كل ما وضعته و صغته قد يكون من المستحيلات أو بمعنى أخف مما لا مقدرة لك عليه … هذا ما عقلته من دسائس المقال … ولكن هل هذا كافي لكي نجعل التخطيط من الخيال الغير حقيقي و كأنها أحلام يقظة تنتهي بمجرد العودة للحياة الدنيا .. لا أعتقد !!!
قلت كثير من العباقرة لم يخططوا و لكن في نفس الوقت كثير منهم ايضا أبدعوا في التخطيط قبل التنفيذ و ليس خبر مهاتير محمد عنا ببعيد حينما وضع لدولته خارطة طريق مدتها عشرين عاما حينما أنتهت حقق أكثر مما حلم به !!! و الكثير غيره ..
ولكنني معك في حيث العقلانية في التخطيط بأن نجعل الهدف مما لنا القدرة عليه و ان يكون مما تعشقه النفس و ترضى بتحقيقه ومع المرونة في الظروف والواقع والمتطلبات …
وجميل قولك “”وليس صحيحا أن نصبح كلنا د.طارق السويدان فنسير على خطاه مهمشين لشخصياتنا ومحجمين طاقاتنا .. إنما الصحيح أن نعرف نفوسنا و نستجيب لنداءاتها ونرسلها على سجيتها ثم نستثمر الفرص ونستغلها ..”"
جميل فأنا ألد أعدائي الانصهار و الأقنعة المزيفة ولكن جميل أيضا وضع قدوة حسنة تساندك في مسيرة حياتك بدون الانصهار وتهميش شخصياتنا
دمت لنا أبو إبراهيم ودام قلمك الجميل
أوافق ولا أوافق
أخي الحبيب … التخطيط هو احدى عمليات النجاح ويقال من لا يخطط فهو يخطط للفشل .
أنا معك بأن لا نجعل التخطيط هو همنا الاكبر ولا نعطيه الحيز الذي لايستحقه
ولكن اذا ما مشينا في دحرجة الحياة تلك فاننا سوف نتمايل ولن نستطيع الصمود على الاهداف – من وجهة نظري -
كما أن مبدأ استغلال الفرص صحيح … ولكن لا ننسى انك انت من يصنع الفرصة في كثير من الاحيان
فكثير من قصص النجاح ولدت من رحم المعاناة … واكبر دليل هو حبيبنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم فأين الفرص في ذلك (( ولكنه التخطيط والمثابرة ))
وانا معك تماما في موضوع معرفة الذات والرغبات فهي كالدلالات في طريق التخطيط
جزالك الله خير على المقال الرائع