أرشيف

Archive for the ‘زاوية الأدب’ Category

وثبة الهمام

ما زلت أذكر أول علاقتي بالخيل قبل حوالي خمس سنوات فقد ركبت فرسا – وكانت المرة الأولى في حياتي – داخل مضمار صغير وكان مربوطا بحبل طرفه الآخر بيد العامل فاستويت جالسا بعد تلقيّ بعض المعلومات عن الركوب الصحيح ثم بدأ الخيل يركض لبضع دقائق ففقدت توازني ولم أستفق إلا على جنبي وقد علمت فيما بعد أن الخيل تعرف الفارس من غيره .. (وأظن هذا الفرس أنف أن يركبه مثلي).

ثم تتابعت الأيام فكلما رأيت فرصة اغتنمتها .. فلا أزال أركب ولا تزال رغبتي في الفروسية تنمو .. حتى بلغت رغبتي رشدها بعد أن اطلعت على تاريخ الكامل لابن الأثير وهو تاريخ حافل بالبطولات والشجاعة والنجدة والبأس والفروسية .. فموقف تلو موقف .. بطل يصرع نده فوق الخيل .. فتنامت واستولت علي رغبتي أن أصبح فارسا .. وأصبحت أصنع الفرص بعدما كنت أغتنمها !

بالأمس – الأربعاء – (وما أدراك ما أمس) ارتقيت فرسا اسمه محبوب يبلغ عمره 4 سنوات ونصف .. وكان فيه عنادا (قليل) وكان مشاكسا مع أقرانه .. سريع العدو (على غرة) فيعدو بك بقوة وسرعة – دون أن تشعر – بعدما كان ساكنا (وفي المثل الهدوء يسبق العاصفة) أو تستطيع أن تقول أنه كان يملك محركا نفاثا يعمل فجأة وبدون تدرج .. فانطلق بي المرة الأولى فاستطعت تثبيت نفسي (وقلبي) فوقه حتى تداركت الأمور .. ثم أحسست مرة اخرى بالشر منه فعدا بي من السكون إلى العاصفة وكان أشد قوة واندفاعا من الأولى (محركان نفاثان وليس محرك واحد) فشددت لجامه نحوي وكان جذبي شديدا – ولكن ماذا تريد أن يفعل من أحدق به الخطر فالعقرب تلدغ نفسها إذا حصرتها النار – فلما جذبته رفع الفرس نفسه وارتفعت معه فكان منظرا مهيبا ولحظات وأنا وفرسي على الأرض (تحت في الصورة مكان السقوط) فكان منظرا أعجب من ذي قبل .. فنهض قبلي فكان سريع السقوط سريع النهوض سريع العدو فوثبت أنا معه (وثبة الهمام) !

ولا تزال رغبتي وحبي للفروسية يزداد يوما بعد يوم .. ولن يثنيني عن ذلك شيء إلا أن يشاء ربي شيئا ..

وقبل أن أختم قصتي مع الفروسية أحب أن أبثكم بعض الخواطر حول الخيل :
الخيل أيها الأخوة تربي على العزة والأنفة .. إنك عندما تصول وتجول فوقها ترتفع عن حطام الدنيا كما ارتفعت على الخيل وتكون الدنيا تحت قدميك ..

إن الخيل رمز الأصالة والأخلاق العربية التي جاء الإسلام وأقرها ..

إنها تشاركك الشجاعة والنجدة والبأس ..

فوقها أيها الأخوة نشر الإسلام وبسط العدل .. فوقها فتحت البلدان .. واتسعت رقعة الخلافة

احتلت من قلوب العرب أسمى مكانة فدبجوا القصائد يمتدحوها بها ويذكروا فعلها في الأعداء ..

وكانوا يسمونها كما يسمون أبنائهم .. ويحبونها كما يحب أحدهم صديقه فكانوا يضنون بها في مواقف الشدة فلا يفرطون فيها ..

تقوم الحروب في الخيل مثل حرب (داحس والغبراء) ..

فلم تكن في معزل عن الأحداث بل كانت ولا زالت الخيل من صناع الأحداث في ساحة الوغى ..

فهذا الحارث بن عباد قدم ابنه بجير للمهلهل يقتله لتكف الحرب بين بكر وتغلب فقتل المهلهل بجير وقال المهلهل بعد قتله : “بؤ بشسع نعل كليب” أي قتلتك بدل شسع (حبل) نعل كليب فبلغ الحارث مقتل ولده فقال : نعم القتيل يصلح بين الحيين كبر وتغلب فقيل له : إن المهلهل قتله بدل شسع نعل كليب فغضب الحارث واستهل أبياته بذكر فرسه النعامة ولم يكن في زمانه مثلها فقال :

قربا مربط النعامة مني … لقحت حرب وائل عن حيال

قربا مربط النعامة مني … شاب رأسي وأنكرتني رجالي

وابتدأ الحارث بذكر فرسه لعلمه ما سيكون لها من شأن في الحرب ..

فهل بعد ذلك كله يلام رجل في حب الفروسية وبذل الغالي في نيلها ..

ولو كنت موسرا لاقتنيت خيلا.

وأسأل الله أن يتم لي ما أريد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)

قال تعالى : “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم

أرادها المؤلف مذكرة يراجعها خوف النسيان .. فكانت 5000 صفحة

عزمت على قراءة كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (10 مجلدات) .. وذلك لما يكسبني من العلوم ومعرفة أخبار الأمم السابقة وغير ذلك الكثير ..

والعظيم في الأمر أني اطلعت على مقدمة المؤلف رحمه الله فوجدت فيها همة عالية وإرادة صلبة .. وجدت فيها ما جعلني أتقاصر أمامه وتصغر عنده الآمال والطموحات العراض !

وجدت فيها ما أذهلني حقا !

وهذا هو نص المقمة :

“أما بعد .. فإني لم أزل محبا لمطالعة كتب التواريخ ومعرفة ما فيها ، مؤثرا الاطلاع على الجلي من حوادثها وخافيها ، مائلا إلى المعارف والآداب والتجارب المودعة في مطاويها ، فلما تأملتها رأيتها متباينة في تحصيل الغرض ، يكاد جوهر المعرفة بها يستحيل إلى العرض ، فمن بين مطول قد استقصى الطرق والروايات ، ومختصر قد أخل بكثير مما هو آت ، ومع ذلك فقد ترك كلهم العظيم من الحادثات والمشهور من الكائنات.

وسود كثير منهم الأوراق بصغائر الأمور التي الإعراض عنها أولى ، وترك تسطيرها أحرى.

وقد أرخ كل منهم إلى زمانه وجاء من بعده من ذيل عليه ، وأضاف المتجددات بعد تاريخه إليه. والشرقي منهم قد أخل بذكر الغرب ، والغربي قد أهمل أحوال الشرق. فكان الطالب إذا أراد أن يطالع تاريخا احتاج إلى مجلدات كثيرة وكتب متعددة مع ما فيها من الإخلال والإملال.

فلما رأيت الأمر كذلك شرعت في تأليف تاريخ جامع لأخبار ملوك الشرق والغرب وما بينهما ليكون (تذكرة لي أراجعه خوف النسيان) !


والكتاب يقع فيما يقارب 5000 صفحة من القطع المتوسط ..

إذا كانت هذه مذكراتهم التي يراجعونها خشية النسيان فما بالكم بكتبهم التي يصنفونها لمن بعدهم ؟!

كيف تستر عيوبك ؟

قال النووي في الأذكار : بلغنا أن قس بن ساعدة وأكثم بن صيفي اجتمعا فقال أحدهما لصاحبه : كم وجدت في ابن آدم من العيوب ؟

فقال : هي أكثر من أن تحصى

والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب

فوجدت خصلة إن استعملتها سترت العيوب كلها

 قال : ما هي ؟

 قال : حفظ اللسان !

قصة الثلاثة الأبطال

في يوم الخميس 26 ربيع الأول 1429 هجري ذهبت وأصدقائي إلى الدبابات وحدث ما لم يكن في الحسبان .. فلم أرد أن يذهب هذا الحدث دون أن يأخذ نصيبه من التدوين والنشر .. فكتبت ما يلي :

ركبت دابة وكنت على طهارة .. وحرصت أن أدعو بما ورد من دعاء نزول المكان ودعاء ركوب الدابة .. ونسيت أن ألبس أكفاني لأني أعلم أني مقبل على مهلكة ! تفرست فيمن حولي لأعرف الوجوه فقد خشيت ألا يعرف أحدنا إلا ببنانه .. وذلك المكان قل من ينجو فيه ! ولا ينجو هناك إلا الحذر .. أما الذي يطلب الموت في مظانّه فذلك رجل يجود بنفسه ويقدم على المهالك غير خائف ولا هيّاب !

كنا نتنقل من (طُِعْسٍ) إلى آخر بحثاً عن المتعة وبغية الترويح عن نفوسنا التي ترسف في أغلال الجامعة وتأن تحت وطأة (الدكتور) .. ويصدق فينا قول الشاعر :

أكلما رمت (طُِعْساً) فانثنى هرباً *** تصرّفت بك في آثاره الهمم

لكن من لا يعرف الحياة فستضيق نفسه ذرعاً بتقلباتها .. فهي تذيقك حلوها تارةً وتطعمك مرّها تارات ! لا تبقى لك على حال .. كالأرض المجدبة إذا أتاها المطر “فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح” !

كان من بين أولئك الرهط الذين كنا نلهو معهم ثلاثة خلّفوا عن ركب الأصحاء .. خبّأت لهم الأقدار ما يطهرهم من ذنوبهم ويرقيهم درجات إن احتسبوا ذلك عند ربهم ..

أولئك النفر كانوا أشدنا على الجلاد وأصبرنا على الموت .. كانوا يركبون الأهوال والصعاب لفرط شجاعتهم !

افتقرت إليهم الشدائد فاستغنوا عنها بدمائهم ..

والصعاب تذلل نفسها لمن يعطيها من نفسه ودمه ووقته وماله ! فهي تأخذ بضعةً منك لتمنحك شرف الاجتياز ..

لولا المشقة ساد الناس كلهم *** الجود يُفقِر والإقدام قتّال

والأهوال تباع في سوق النّخاسة وتشتريها بدمك .. لتصبح الأهوال رقيقاً عندك تصرفها كيف تشاء ! فتستحق لقب (سيد الأهوال) .. ولا تزال تسبي هولاً بعد هول حتى تنتهي إليك رياسة الأهوال !

كنت خلف الثلاثة .. وما تخلّفت لجبنٍ فيّ .. وإنما لأختار الهول الذي أريد .. ولن أختار إلا أشد هولٍ وأضراه على نفوس الأبطال ..

فإني لا أرضى بالرويبضة من الأهوال والصعاب وإنما أختار رؤوسها لأجتازها صرعى ..

وثمّ سبب آخر لتأخري عنهم .. وهو أن يجتمع لدي أمران .. لقيا الأهوال (وكفى بها عظيمةً) ورؤية فعلها في النفوس ..

أما من تقدم فسيظفر بالأول دون الآخر .. فأحببت أن أجرب نفسي على لقيا الأهوال ابتداءً ورؤية فعلها في الأبطال انتهاءً ثم أختار لنفسي أيّ هولٍ أسترقّ (أجعله عبداً) ؟

ارتقى الثلاثة (الطعس) أو قل (نصف طعس) من جهة .. وهاوية من الجهة الأخرى .. فكأنه (طعس) لم يكتمل بناؤه ليبتلع الأبطال .. فلما ارتقوا (الطعس) ابتلع اثنين وتأخر ثالثهم لأشهد مَصْرعه .. فكأني أنظر إليه ارتفع قليلاً عن الأرض ثم اختفى في لمح البصر !

فعلمت أنه كمينٌ أعده (الطعس) .. ولكن هيهات أن يقع فيه مجرّبٌ بالحروب وبصير بالقتال !

فأبطأت بدابتي حتى أستوثق من الخبر .. فما أن ارتقيت (الطعس) حتى أشرفت على القوم مجندلين قد عفرهم الطعس وأرغم أنوفهم ..

فنزلت إليهم وقد حمدت الله أن سلمني فلم يصبني مكروه .. وأعنتهم ليحملوا نفوسهم على دوابهم ولبثت قليلاً حتى يرحلوا ..

فكانوا يمرون بي كما قال الشاعر :

تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمةً *** ووجهك وضّاح وثغرك باسم

حسن الرد

دخل معن بن زائدة على المنصور فأسرع وقارب الخطو. فقال له المنصور : كبرت سنك يا معن. قال : في طاعتك يا أمير المؤمنين.
فقال له المنصور : وإنك مع ذلك لجلد. قال : على أعدائك يا أمير المؤمنين.
فقال له المنصور : وإن فيك لبقية. قال : هي لك يا أمير المؤمنين.

التصنيفات:زاوية الأدب
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.